حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

52

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

وحينئذ يرتفع صدره وينتفخ جنباه ، والشهيق إخراج ذلك الهواء بجهد شديد من الطبيعة ، وكلتا الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم . والحاصل أنهم جعلوا الزفير بمنزلة ابتداء نهيق الحمار ، والشهيق بمنزلة آخره . وقال الحسن : إن لهب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى دركات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من النار ، فارتفاعهم في النار هو الزفير ، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق . وقال أبو مسلم : الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس ، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن ، وربما يتبعها الغشية ، وربما يحصل عقيبه الموت . وقال أبو العالية : الزفير في الحلق ، والشهيق في الصدر . وقيل : الزفير الصوت الشديد ، والشهيق الصوت الضعيف . وعن ابن عباس : لهم فيها بكاء لا ينقطع وحزن لا يندفع . وقال أهل التحقيق : قوة ميلهم إلى الدنيا ولذاتها زفير ، وضعفهم عن الاستسعاد بكمالات الروحانيات شهيق . ثم إن قوما ذهبوا إلى أن عذاب الكفار منقطع وله نهاية واستدلوا على ذلك بالقرآن والحديث والمعقول . أما القرآن فقوله سبحانه : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي مدة بقائهما إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ وفيه استدلالان : الأول أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السماوات والأرض المتناهية بالاتفاق . الثاني استثناء المشيئة ويؤكد هذا النص قوله : لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً [ النبأ : 23 ] وأما الحديث فما روي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص « ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد » وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا . وأما المعقول فهو أن العقاب ضرر خال عن النفع لا في حق اللّه تعالى ولا في حق المكلف فيكون قبيحا . وأيضا الكفر جرم متناه ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم . والجمهور من الأمة على أن عذاب الكافر دائم ، وأجابوا عن الآية بأن المراد سماوات الآخرة وأرضها المشار إليهما بقوله : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ إبراهيم : 48 ] ولا بد لأهل الآخرة مما يظلهم ويقلهم فهما السماء والأرض ، وإذا علق حصول العذاب للكافر بوجودهما لزم الدوام . وأيضا القرآن قد ورد على استعمالات العرب ، وإنهم يعبرون عن الدوام والتأبيد بقولهم « ما دامت السماوات والأرض » ونظيره قولهم : « ما اختلف الليل والنهار » و « ما أقام ثبير وما لاح كوكب » . ويمكن أيضا أن يقال : حاصل الآية يرجع إلى شرطية هي قولنا : إن دامت السماوات والأرض دام عقابهم فإذا قلنا لكن السماوات والأرض دائمة لزم دوام عقابهم وهو المطلوب ، وإن قلنا لكنهما لم تدوما فإنه لا ينتج مطلوب الخصم لأن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئا . وبعبارة أخرى دلت الآية على أنه